Deutsch | العربية | English
البحث
البحث Menu

هناك قيم مجتمعية تجعلك تكتم آلالام و المعاناة بصمت

هناك قيم مجتمعية موجودة في الخطاب والثقافة الشائعة، تحث الناس على كتم آلامهم والمعاناة بصمت، وتدفعهم للمكابرة وإظهار الصلابة وتساهم في قمعهم، ما يؤثر بشكل سلبي على كل أنواع الاضطرابات النفسية ويفاقمها

الصدمات النفسية

الصدمة هي الموقف العنيف الخارج عن المألوف، الذي يمر به الإنسان، وتتضاعف فرص التعرض لها في الظروف الاستثنائية التي يعيشها السورويون منذ أعوام. ثمة عنف منفلت ينصبّ جحيماً على الملايين، عنف جسدي ونفسي يخلّف اضطرابات نفسية، لا تزيلها مراهم الجروح، ولا تمسحها من الذاكرة محاولات النسيان، ولا تنحلّ بالتجاهل أو الهروب أو ادّعاء الصلابة.

حين يقترب الخطر من الإنسان، يتهيأ نفسياً وعصبياً للدفاع. الدفاع الذي يتجلّى في مواجهة الخطر أو الهروب منه: يبدأ الدماغ بإرسال إشارات تتحول إلى هرمونات تتحكم بالجسد وتحضره للمواجهة، تنشدّ الأعصاب، ويزداد خفقان القلب، وتتوسع حدقات العين، وتنشد العضلات، وتتسارع الأنفاس.

في الحروب والكوارث الطبيعية والحوادث، للصدمة، بحسب شدتها، آثار قصيرة الأمد قد تزول خلال أيام معدودة، وأخرى تستمر كلما تم تذكر الصدمة على المدى الطويل وتسبب تغيّراً طارئاً في السلوك. بعد انقضاء الصدمة  تستمر هرمونات التوتر بالتدفق، مسببة القلق والذكريات المؤلمة، والكوابيس، والأفكار السوداوية.

يحتاج من تعرض للصدمة إلى الدعم والتفهم من المحيط القريب، دون إدانات وتقريع ورفض وتبرّم.إلى جانب الأفكار السوداوية التي يعيشها الشخص بعد الصدمة، تساهم نظرة المجتمع القاسية في ازدياد معاناته.

فهو إن كان رجلاً يسمع كثيراً من العبارات الجاهزة من قبيل: «خليك رجال» أو «شد حيلك». فيما إذا كانت أنثى وكانت الصدمة لها علاقة بالاعتداء الجنسي أو الاغتصاب،

تزداد وخامة الأمر جراء رؤيتها سيوف «الشرف» و«العفة» مرفوعة في وجهها، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تطور المعاناة لمراحل خطيرة تتراود فيها الأفكار الانتحارية.

يحتاج من تعرض للصدمة إلى الدعم والتفهم من المحيط القريب، دون إدانات وتقريع ورفض وتبرّم.

الصدمة.. الاضطراب.. وما بينهما

بيركو سلمو، أخصائي نفسي مقيم في ألمانيا، قال في حديث للجمهورية،

إن هناك فرقاً بين تعرض الشخص للصدمة، وإصابته باضطراب ما بعد الصدمة: «قد تكون آثار الصدمة مختلفة، والصدمة هي حدث عنيف يحصل للشخص، وقد نكون جميعنا معرضين له خلال الحياة، وهذا أمر طبيعي.

هناك نسبة من الأشخاص تستطيع تجاوز الصدمة، ولكن آخرين قد لا يكونون قادرين على ذلك، وهذا متعلق بشدة الصدمة ومعطيات أخرى».

يقول بيركو إن الصدمة «ترفع عرضة الإنسان للمعاناة النفسية، والتي قد تتجلى بصورة اضطرابات معينة، كالقلق والاكتئاب.

هناك ثلاثة سيناريوهات في المجمل تحصل للإنسان بعد التعرض للصدمة:

أن يتجاوزها، وهذا لا يعني أن لا تترك لديه أي أثر، ولكن هذا الأثر لا يرقى لتشكيل معاناة نفسية على شكل اضطراب.

الاحتمال الثاني هو أن تؤدي الصدمة إلى الاكتئاب أو اضطراب آخر.

الاحتمال الثالث، هو أن يمر الشخص باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهذا الاضطراب هو الأكثر شيوعاً في هذه الحالة».

يضيف بيركو أنه إذا كانت الصدمة على درجة معينة من الشدة، يحصل خلال الشهر الأول بعد مرورها حالة من التوتر الحاد، وهي حالة مشابهة في أعراضها لاضطراب ما بعد الصدمة، إلا أنها قد تزول بمرور شهر،

وإذا لم يحدث ذلك فهناك فرص أكبر لتشخيص الاضطراب. قد يتأجل ظهور أعراض الاضطراب إلى شهور أو أعوام بعد الصدمة، التي من أسبابها وجود الشخص في ظروف استثنائية تدفعه للتركيز على النجاة في الظروف الصعبة التي يعيشها.

هناك على سبيل المثال سوريون بدأت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بالظهور لديهم بعد وصولهم إلى ألمانيا، أي بعد شهور على مرور الصدمة.

يتابع سلمو قائلاً إن «الملامح الأساسية للاضطراب تتجلى في ذكريات إقحامية، كالتذكر اللاإرادي أو الفلاش باك، والرغبة في تجنب ما تخلفه هذه الذكريات من رد فعل عاطفي عنيف يتجلى بالمشاعر السلبية، كالقلق والخوف والتوتر».

مشيراً إلى أن أكثر الطرق المستخدمة في علاج الاضطراب هي العلاج المعرفي السلوكي، الذي يتضمن التعريض أو «المواجهة السردية» مع الحدث مجدداً، وتستمر لعدة جلسات، باستثناء الحالات الشائكة، التي تكون فيها التجربة الصادمة قاسية وطويلة الأمد.

«يُفترض أن يبدأ معظم الأشخاص بالشعور بالراحة بعد عدة جلسات»، يقول بيركو. منوهاً إلى أن هذه الجلسات «تستمر حتى الوصول إلى القدرة على تحييد الصدمة ودمجها بسياق الذكريات العامة في مكانها الطبيعي، وليس محوها من الذاكرة…

الغاية من العلاج في العموم هي تمكين الشخص من خلق مسافة بينه وبين الصدمة، وتخفيف آثارها السلبية على سلوكه.

هذه الآثار التي تكون سيئة وصعبة، إلا أنها تتضمن في بُعدٍ من أبعادها بعض الملامح الإيجابية أيضاً، التي لها علاقة بالنضج والتعلم من التجربة.

يوضح بيركو أن هناك قيم مجتمعية موجودة في الخطاب والثقافة الشائعة، تحث الناس على كتم آلامهم والمعاناة بصمت، وتدفعهم للمكابرة وإظهار الصلابة وتساهم في قمعهم، ما يؤثر بشكل سلبي على كل أنواع الاضطرابات النفسية ويفاقمها،

وقد يشكل آثاراً كارثية مباشرة:

«هناك على سبيل المثال من تراوده أفكار انتحارية بسبب وجود معاناة نفسية ما، وقدرته على الحديث عن ذلك تزيد فرص التدخل لمنع حدوثه.

يجب أن يجد من يعاني من أي مشكلة نفسية آذانا صاغية، دون تجاهله أو التقليل من شأن معاناته أو السخرية منها، ذلك أن كل ما يمر به الإنسان في هذه التجارب هو أمر طبيعي».

«من المهم الإشارة إلى أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يظنون أنهم تجاوزا الصدمة، ويعزون المشاعر السلبية التي يعيشونها إلى مصادر أخرى.

الإنسان ليس مضطراً إلى حمل آثار المعاناة معه إلى فترة طويلة، وعليه أن يكسر عتبة التردد ويأخذ خطوات عملية للبدء بالعلاج إذا كان متأكداً من وجود المعاناة النفسية أو شاكّاً بذلك. عليه التفكير جدياً بذلك إذا كان ثمة أعراض لا يستطيع تفسيرها، من قبيل الغضب والمشاعر السلبية والكوابيس»، يقول بيركو.

توجد مبادرة مجانية للعلاج النفسي عبر الانترنت لتسهيل الأمر على الراغبين باللجوء للمختصين في حالات كهذه.

المصدر: موقع الجمهورية – العيش مع جرح خفي – مصعب النميري

 

يمكنك تسجيل بياناتك من خلال هذا الرابط

التسجيل في العلاج النفسي عبر الانترنت

في حالة وجود مزيد من الاستفسارات ، يمكنك مراسلتنا على بريدنا الالكتروني 

support-ilajnafsy@ueberleben.org

أترك تعلي

Required fields are marked *.


WordPress Video Lightbox Plugin